الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أبر والدي رغم تضايقي من بعض تصرفاته؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في سنتي الأخيرة من المرحلة الثانوية، وأحرص -إلى جانب دراستي- على طلب العلم الشرعي، ومع ازدياد اطلاعي على النصوص التي تبيَّن فضل بر الوالدين وعظيم حقهما، ازداد حرصي على الإحسان إليهما وطاعتهما ابتغاء مرضاة الله.

نشأت -ولله الحمد- في أسرة محافظة، وقد كنت منذ صغري أحرص على طاعة والدي واحترامه، لكن مع تقدمي في العمر، ونضجي الفكري، بدأت أدرك أن الوالدين بشر يصيبان ويخطئان، فأصبحت أرى ما لهما وما عليهما، مع بقاء محبتي لهما، وحرصي على برهما كما أمر الله.

غير أنني أصبحت أعاني من أمر يؤلمني نفسيًا، فأبي -أسأل الله أن يحفظه ويبارك فيه- يُقصِّر في كثير من حقوقنا الواجبة عليه، فهو شديد البخل في النفقة، حتى إن والدتي -جزاها الله خيرًا- تتحمَّل غالب مصاريف الملابس والدراسة، وأحيانًا أمورًا أساسية من شؤوننا، وإذا طلبتُ منه ما يتعلق بدراستي أو احتياجاتي الضرورية، شعرت بأنه يتضايق، ويعاملني وكأنني أكلفه ما ليس بواجب عليه.

كما أنه كثيرًا ما يتركنا (نحن بناته)، نقضي بعض الحاجات التي تستلزم مخالطة الرجال أو مزاحمتهم، مع أنه قادر على القيام بها بنفسه، إضافة إلى أنه حاد اللسان، وقد صدرت منه في مواقف عديدة، كلمات آلمتني، ولا تزال آثارها في نفسي.

ومع كل ذلك، أحاول قدر استطاعتي، أن أبره وأطيعه في المعروف، وأخدمه، وأجاهد نفسي على الإحسان إليه، رجاء ما عند الله.

لكن في الفترة الأخيرة، أصبحتُ أشعر بثقل شديد في نفسي، فقد يراني في غاية التعب أو الإرهاق، ثم يطلب مني خدمته في أمور يستطيع القيام بها بنفسه، فأفعل ذلك، ولا أظهر له التضجر، إلَّا أن نفسي تتألم كثيرًا، وأصبحتُ أجد مشقة في مجالسته ومرافقته، مع يقيني بأن بِرَّه واجب عليَّ.

فما هو التصرف الصحيح في مثل هذه الحال؟ وكيف أوفق بين بر والدي، وبين ما أشعر به من ألم بسبب تصرفاته؟ وهل يؤاخذني الله على هذا الضيق الذي أجده في نفسي، مع أنني لا أسيء إليه، ولا أقصر في حقوقه؟

جزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم، ونفع بكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملاك، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أحسن الله إليكِ، وبارك في حرصكِ على طلب العلم، وزادكِ برًّا بوالديكِ وثباتًا على طاعته، ومن الجميل في رسالتكِ أنكِ فرقتِ بين المشاعر التي ترد على القلب وبين التصرفات العملية، وهذه نقطةٌ مهمةٌ في التعامل مع مثل هذه المواقف.

• أولًا: اعلمي أن بر الوالدين عبادةٌ عظيمةٌ، وقد قرنه الله بتوحيده فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، لكن هذا لا يعني أن الوالدين معصومان من الخطأ، بل هما بشرٌ يصيبان ويخطئان، وقد أمرنا الله تعالى بالإحسان إليهما حتى مع وجود التقصير أو الظلم، ما لم يأمرا بمعصيةٍ، قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

وما ذكرتِه من شدةٍ وبخل في النفقة، أو تحميلكم بعض المسؤوليات، أو قسوةٍ في الكلام، هو ممَّا يؤلم النفس بلا شكٍ، ولا يعني شعوركِ بالألم أنكِ عاقةٌ أو مقصرةٌ في البر.

• ثانيًا: المشاعر التي تجدينها في نفسكِ ليست مما يؤاخذ الله تعالى عليه، إذا لم تتحول إلى قولٍ أو فعلٍ محرمٍ؛ فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ».

فكونكِ تشعرين بالضيق، أو الحزن، أو المشقة بسبب بعض التصرفات لا إثم فيه، وإنما المجاهدة تكون في ألا يدفعكِ ذلك إلى العقوق، أو الإساءة، أو التقصير في الحقوق الواجبة، بل لعل ما تقومين به من خدمة والدكِ مع وجود هذه المشقة أعظم أجرًا؛ لأن الأجر يعظم مع مجاهدة النفس والإخلاص لله تعالى.

• ثالثًا: من المهم أيضًا ألا تحملي نفسكِ فوق طاقتها، فبر الوالد لا يعني إلغاء شخصيتكِ أو كتمان ألمكِ حتى ينهككِ نفسيًّا، وإنما يعني أن تؤدي حقه بالمعروف، مع حفظ قلبكِ من الحقد والانتقام، وإذا سنحت فرصةٌ مناسبةٌ، وكان يغلب على الظن قبول النصح، فلا حرج أن تعبري عن بعض احتياجاتكِ أو مشاعركِ إليه بأدبٍ ولطفٍ، أو عن طريق من له كلمةٌ مسموعةٌ عنده إذا كان ذلك أنفع، كما أن من حقكِ أن تطلبي النفقة الواجبة عليكِ إذا كنتِ تحتاجين إليها، فهذا حقٌ شرعيٌ، وليس من سوء الأدب المطالبة به بالأسلوب الحسن.

• رابعًا: أوصيكِ كذلك بألا تجعلي صورة والدكِ في ذهنكِ محصورةً في أخطائه، فإن استحضار ما له من فضلٍ عليكِ، مع الاعتراف بتقصيره فيما قصر فيه، يعين على بقاء التوازن في النفس، ويخفف من تراكم المشاعر السلبية.

• خامسًا: أكثري من الدعاء له، فقلوب العباد بين أصابع الرحمن، ومن أعظم البر أن تسألي الله أن يصلحه، وأن يشرح صدره، وأن يرزقه حسن القيام بمسؤولياته.

• أخيرًا: أبشري؛ فما دمتِ تؤدين حق والدكِ، وتجاهدين نفسكِ على الإحسان إليه، ولا تقابلين إساءته بالإساءة، فلا حرج عليكِ فيما تجدينه من ضيقٍ وألمٍ لا تملكين دفعه، وإنما عليكِ أن تستمري في مجاهدة نفسكِ، وتسألي الله العون والثبات، فإنه سبحانه لَا يُكَلِّفُ نفسًا إلَّا وسعها، وهو أعلم بما في القلوب، وأرحم بعباده من أنفسهم.

نسأل الله أن يصلح والدكِ، وأن يبارك في والدتكِ، وأن يؤلف بين قلوبكم، وأن يجعل ما تجدينه من صبرٍ واحتسابٍ في ميزان حسناتكِ، وأن يرزقكِ السكينة والعوض الجميل في الدنيا والآخرة.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً